الشيخ محمد رشيد رضا

125

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عشرة سنة في قلعة طرابلس الشام ، ويعفو السلطان في عيد جلوسه عمن تم له ثلثا المدة المحكوم بها عليه في السجن . واشتهر عن بعض المجرمين في مصر انهم يسمون بعض السجون العصرية « لو كاندة كولس » بالإضافة إلى كولس باشا مدير السجون الذي أنشئت في عهده . ويقول بعضهم : أسرق كذا أو أضرب فلانا وأشتو في لو كاندة كولس فان الشتاء فيها أرحم وأنعم من الشتاء في بيتنا أو في الشوارع . ولا يبعد على المجرم من هؤلاء أن يقتل لان عقاب القتل في هذه السجون إن ثبت عليه أهون من عيشته الشقية ، فما القول في أهل البوادي أصحاب الثارات التي لا تموت ؟ - فقتل القاتل هو الذي يربي الناس في كل زمان ومكان ويمنعهم من القتل ( قال شيخنا ) وقد بالغ في الاعتراف بذلك معدل القانون المصري حيث أجاز الحكم بالاعدام إذا وجدت القرائن القاطعة على ثبوت التهمة ، بعد أن كان لا يجيزه إلا بالاعتراف أو شهادة شهود الرؤية وقد تقع في كل بلاد صور من جرائم القتل يكون فيها الحكم بقتل القاتل ضارا وتركه لا مفسدة فيه ، كأن يقتل الانسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك ، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت ، وإذا قتل يفقدون بقتله المعين والظهير ، بل قد يكون في قتل القاتل أحيانا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيا من المقتول ، ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة ، أو لان الدية انفع لهم ، فأمثال هذه الصور توجب أن لا يكون الحكم بقتل القاتل حتما لازما في كل حال ، بل يكون هو الأصل ، ويكون تركه جائزا برضاء أولياء المقتول وعفوهم ، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة في شعب أو قبيل أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم ، والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه ، وهذا الاصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن ، وما كان ليرتقي اليه بنفسه علم الانسان . قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى القصاص في أصل اللغة يفيد المساواة ، فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساو للمقتول فيؤخذ به ، فالغرض من الآية شرعية القصاص بالعدل والمساواة